الرئيس الشهيد إبراهيم الحمدي .. مرحلة وحكاية

الرئيس الشهيد إبراهيم الحمدي .. مرحلة وحكاية

 

 

 

بقلم أ. د. مطهر عبدالعزيز العباسي

هناك شبه إجماع لدى اليمنيين على أنه في فترة من الزمن فُتحت نافذة لتطلعات الناس نحو بناء دولة حديثة قائمة على النظام وسيادة القانون، تلك هي الثلاث سنوات لوجود الرئيس الشهيد المقدم إبراهيم الحمدي في سدة الحكم، (1974-1977)، مجسداً النموذج المرجو للمسؤول الأول، والذي أصبح إستثناءً في تأريخ اليمن الحديث، وأجزم أن كل شخص عاش تلك الفترة له حكاية معها وفيها، سواءً كان مزارعاً أو تاجراً أو موظفاً أو طالباً أو مغترباً خارج البلاد، أو كان سياسياً أو نقابياً أو منتسباً للجيش أو الأمن.

فالكل يذكر تلك المرحلة بكثير من التقدير والإمتنان، وكأنها لبّت توقعات وطموحات كل فئات المجتمع، من حيث الاستقرار والإنتعاش الاقتصادي، وإنتشار النشاط التعاوني والتنموي في كل المحافظات والنواحي، وتنفيذ مهمة التصحيح المالي والإداري في مؤسسات الدولة وأجهزتها، وتوثيق عرى النسيج الاجتماعي في الحضر والريف، وتوفر حالة خاصة من الوئام السياسي، والشعور بالأمن والأمآن في ربوع البلاد، وبناء إجماع شعبي نحو إزالة التوتر بين شطري الوطن ووضع مداميك التقارب نحو الوحدة المباركة، وبروز صوت اليمن عاليا في تناول عدد من القضايا الإقليمية، وفتح آفاق جديدة للعلاقات الدولية شرقاً وغرباً،

وحكايتي مع تلك الفترة، على المستوى العام، شهدنا ونحن طلاب في المرحلة الإعدادية إنتخاب أول هيئة تعاون أهلي للتطوير في ناحية مشرعة وحدنان، صبر، تعز، وتفاعل جميع المواطنين مع المهام المناطة بالهيئة بالنسبة لمشاريع التنمية من مدارس وطرق وغيرها، فبعد أشهر من تشكيل الهيئة تجاوب المواطنون بتقديم التبرعات لشراء وحدة شق الطرق، وبمساهمة الحكومة تم تدشين العمل في شق طريق تعز- مشرعة وحدنان، ليكون إعلاناّ لكسر العزلة والمعاناة التي عاشها السكان لقرون من الزمن، كما تجاوب الناس بكل فئاتهم مع إنشاء المدارس في عدد من قرى المنطقة، لتجسيد الثورة على الجهل والظلام، وهكذا توالت مشاريع التحديث في الكهربا الأهلية أولاّ ثم العمومية لاحقاّ، ومراكز الرعاية الصحية وغيرها، وبالتأكيد، فإن تلك التطورات عاشتها معظم النواحي والمحافظات في عموم البلاد.
وتفاعلنا مع تلك الفترة بالمشاركة في موسم التشجير في شهر مارس من كل عام، فقد كان طلاب المدارس في تعز يتجهون إلى مداخل المدينة يغرسون الأشجار بهمة ونشاط وكلهم أمل نحو مستقبل واعد، واعتقد أن معظم الطلاب في عموم المحافظات نالهم شرف المشاركة بالتشجير ويحملون نفس الذكرى،

وعلى المستوى الشخصي، وخلال دراستي بالثانوية العامة، عملت مدرساً في أحد المدارس ثم فنيا في مستشفى الثورة العام الذي افتتح في عام 1976، ثم سكرتيرا في محطة البحوث الزراعية بمنطقة عصيفرة، فقد كانت فرص العمل متاحة وسهلة، وهكذا حاولت الجمع بين الدراسة والعمل،

وكانت الحكاية، أيضا، بالتفاعل ومتابعة أخبار الخطة الخمسية الأولى للتنمية 1976-1980، أعدها فنياً، الجهاز المركزي للتخطيط، كانت متابعتي من خلال المذياع “الراديو” أو من قراءة الصحف الرسمية. ففي عام 1976، كنت بالصف الأول ثانوي، وشدني كثيرا مفردات ومصطلحات اقتصادية عديدة وردت في خطاب الشهيد الحمدي لتدشين العمل بالخطة الخمسية، ووردت مفردات وعبارات أخرى كثيرة في خطاب الشهيد الأستاذ عبد العزيز عبد الغني، رئيس مجلس الوزراء، عن الخطة في نفس الفعالية، من تلك المفردات: الدخل القومي، الناتج المحلي، الإدخار، الاستثمار، التضخم، البطالة وغيرها من المفردات والجمل التي كانت عصية علي استيعابها وإدراك معانيها والربط بينها، ومن حينها، تولدت عندي الرغبة في دراسة الاقتصاد. وفعلا بعد تخرجي من الثانوية العامة، توجهت إلى جامعة صنعاء وسجلت في كلية التجارة والاقتصاد، وتخصصت في قسم الاقتصاد والعلوم السياسية، وبالمثابرة والاجتهاد، تخرجت من الكلية وعينت معيداً فيها، وواصلت الدراسات العليا في مجال الاقتصاد تاركا السياسة،

ومن المفارقات العجيبة، عينت في عام 1998، وكيلاً لوزارة التخطيط والتنمية لقطاع خطط وبرامج التنمية، وهو القطاع المختص بقيادة العمل الفني لإعداد الخطط الخمسية للتنمية، وبحكم التخصص والاختصاص شاركنا في إعداد الخطة الخمسية الثانية للتنمية الاقتصادية والاجتماعية 2001-2005، لليمن الموحد، والخطة الخمسية الثالثة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية والتخفيف من الفقر 2006-2010، ومشروع الخطة الخمسية الرابعة 2011-2015، أقرها مجلس الوزراء ولكنها لم تر النور بسبب أحداث 2011، وعوضا عنها تم إعداد البرنامج المرحلي للإستقرار والتنمية 2012-2014،

تلك هي حكاية مرحلة من الزمن لم يلق المسؤول الأول فيها بالاً للورث والتوريث وإنما ترك إرثاّ رائعاً من قيم نبيلة، ستظل ملهمة للأجيال، وبالتأكيد للناس والوطن حكايات، مع تلك المرحلة، كُتبَت وستكتب في قادم الأيام والسنين، وخاصة حادثة إغتيال الشهيد الحمدي، التي دبرت خارجياً ونفذت بأيادي الغدر والخيانة محلياً…

رحم الله الرئيس الشهيد إبراهيم محمد الحمدي رحمة الأبرار، وأسكنه فسيح جناته…